محمد أبو زهرة

1439

زهرة التفاسير

وقد فهم بعض العلماء أن المراد أن بعض الأنبياء قتل في الميدان فما وهن جيشه بقتله ولا ضعف ، فما كان يسوغ لهم أن يضطربوا ذلك الاضطراب يوم أحد . ولكنا نرى أنه ليس في الآية ما يشير إلى هذا المعنى ، حتى يتعين مرادا لها ، والحق أن العبرة في كون النبيين كانوا يقاتلون ومعهم مؤمنون صادقو الإيمان ، يصيبهم جراح ، وتصيب أعداءهم ، وما كانت جراحهم توهنهم أو تضعفهم أو تجعلهم يستكينون ويذلون ، وقد نفى اللّه تعالى عن أولئك الربانيين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإيمان : أولها : الوهن فقد نفاه سبحانه وتعالى بقوله تعالى : فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والوهن اضطراب نفسي ، وانزعاج قلبي ، فهو يبتدئ في الداخل ، وإذا وصل إلى الخارج كان ضعفا وتخاذلا ، وإذا أنتج الضعف نتائجه كانت الاستكانة والذل ، ولذلك ابتدأ بنفي الوهن ، وقرن نفى الوهن بكون سببه ما أصابهم في سبيل اللّه للإشارة إلى أن الوهن ينافي قوة الإيمان ، لأن من كان يقاتل في سبيل اللّه عليه أن يعلم الغاية من القتال ، وهي توجب تحمل كل الشدائد ، والعاقبة للمتقين . الوصف الثاني : الضعف والتخاذل الذي يوجبه اليأس والاضطراب ، وهذا كما قلنا نتيجة للوهن . والوصف الثالث : الاستكانة ، وهي الرضا بالذل والعيش مع الهوان ، وذلك ليس شأن المؤمن . وقد نفى سبحانه هذه الأوصاف الثلاثة مع أن واحدا يكفى نفيه لنفيها ، لأنها متلازمة ، لبيان قبح ما يقعون فيه لو سلطوا وصفا منها على نفوسهم فاستمكن فيها .